تطور مسألة حقوق الإنسان في المغرب ليس وليد اللحظة، فهذا الموضوع ظل مطروحا مند نهاية القرن 19، إذ ارتبط بفكرة الإصلاح السياسي والدستوري مع بعض الصراعات التي كانت تعرفها الدولة العلوية أثناء هذه الفترة ومع توالي محاولات المستعمر فرض سيطرته على المغرب، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار مشروع دستور 1908 هو الأول المتضمن إقرارا عموميا لمجموعة من الحقوق المدنية والسياسية، إذ تمت بموجبه المطالبة بإلغاء التسخير وإبطال كافة أشكال الإهانات والتعذيب والمعاملات غير الإنسانية والمطالبة بالحرية الشخصية، وحرمة المسكن والمساواة في تقلد المناصب والوظائف العمومية، إلى جانب العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما شكل آنذاك بادرة في اتجاه دسترة الحقوق والحريات ونقلها من مجال الشريعة إلى مجال القانون الوضعي.
وفي سنة 1962 دخل المغرب مرحلة جديدة بإقراره أول دستور للبلاد ضمنه أصنافا من أصناف الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، كما أقر مبدأ فصل السلط والملكية وغيرها من الركائز التي تدعم بناء دولة المؤسسات، وإن لم يأت بجديد في هذا المجال بل كرس ما جاء في ظهير الحريات العامة لسنة 1958، إلا أن المراجعتين الدستوريتين لسنوات 1970و1972 التي عرفت تراجعا كبيرا في مجموعة من المكتسبات في مجال الحقوق والحريات، وفي سنة 1992 سيعرف الدستور مراجعة أخرى تسمح بإدماج قواعد ذات أصل اتفاقي في الدستور، وذلك من خلال إيجاد مقاربة قانونية تسمح بتدبير جدلية الخصوصية والكونية في مجال حقوق الإنسان.
وبهذا أصبح المغرب ملزما بتطبيق الحقوق المنصوص عليها في الديباجة، و أيضا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ثم تزامن الموجة الدستورية الثالثة في المغرب مع ظهور الجيل الثالث من حقوق الإنسان خاصة بعد دستور 1996، الذي تضمن جملة من الأحكام والمبادئ الأساسية المتعلقة بالمقتضيات الخاصة بحقوق الإنسان، وكل هذا سيعزز مع دستور 2011 الذي شكل منعطفا تاريخيا في مجال حقوق الإنسان بالمغرب، الذي وصف بدستور الحقوق والحريات، لما تضمنه من ضمانات ومقتضيات تهتم بمجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية والنهوض بها، وذلك انطلاقا مما ورد في ديباجته من تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، والالتزام بما تقتضيه المواثيق الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم تجزئتها.
ومأسسة الإصلاح تعني بالضرورة مأسسة الحقوق والحريات، كما هي متعارف عليها دوليا، فتحيين القوانين ثم خلق انفتاح سياسي والسماح للرأي والرأي الآخر بإشراك مختلف الفاعلين، فمتطلبات دولة المؤسسات تبتدئ بالدستور ولا تنتهي عنده ولكن تفرض مجموعة من الآليات والشروط الملزمة لمجتمع الحقوق والحريات.
ومن هنا تم إنشاء آليات لحماية حقوق الإنسان بالمغرب الذي يعد نقلة نوعية وهامة شهدها المجتمع الدولي بمختلف مكوناته، وكذا العربي (المغرب) لاعتبار أن التوافق بين مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948، وسائر العهود والمواثيق الدولية اللاحقة التي تضمنت ترسانة من القوانين واللوائح المتضمنة ضمانات قانونية وقضائية من شأنها حماية حقوق الأفراد، غير أن كل هذه القوانين لا تستطيع تأمين الحماية الفعلية، ويستحيل مع ذلك صيانتها من كل أوجه وأشكال الخروقات والانتهاكات، بالرغم من الالتزام المعنوي والأخلاقي الذي يحمله الإعلان والعهود والاتفاقيات من جهة، ومن جهة أخرى لا بد من وجود مؤسسات وآليات سواء وطنية أو دولية لصون كرامة الأفراد وحماية حقوقهم وحرياتهم الأساسية من خلالها التي ينبغي على الدول إقامتها وتفعيل دورها على أرض الواقع.



تعليقات